في وقت لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد قصة نمو، بل عاملاً يعيد تسعير الأخطار عبر الأسواق، بدت “وول ستريت” أسيرة صراع مزدوج بين التفاؤل المفرط والقلق العميق.
فالمستثمرون لا يتجادلون وحسب حول حجم العوائد المحتملة، بل حول من سيبقى ومن سيستبعد في اقتصاد تعاد صياغته تكنولوجياً، وانعكس هذا التوتر بوضوح في جلسة اتسمت بتقلبات حادة، محيت خلالها خسائر كبيرة في الأسهم بحلول منتصف النهار، فيما تراجع الذهب والفضة في إشارة إلى إعادة تموضع سريعة للأموال بين فئات الأصول.
وبعد هبوط اقترب من واحد في المئة، ارتفع مؤشر “ستاندرد أند بورز 500” بصورة طفيفة، وتعافى المؤشر بعد أن كسر لفترة وجيزة مستوى فنياً مهماً، وفي حين محا مؤشر “يو بي أس” للذكاء الاصطناعي خسارة بلغت 2.3 في المئة، تراجع صندوق متداول يتتبع شركات البرمجيات بنسبة 2.5 في المئة.
وتستعد شركة “أنثروبيك” لإطلاق نموذج جديد للذكاء الاصطناعي يفترض أن يكون أكثر قدرة على استخدام الحواسيب بطرق متزايدة التعقيد.
هل المخاوف من الإزاحة التكنولوجية تتغلب على رهانات العوائد؟
تعكس الاضطرابات التي أطلقها الذكاء الاصطناعي مخاوف متزايدة ومتعارضة في آن واحد، فهناك من يرى أنه على وشك إحداث اضطراب جذري في قطاعات كاملة من الاقتصاد، مما يدفع المستثمرين إلى بيع أسهم أية شركة يعتقد بأنها معرضة ولو بصورة طفيف لخطر الإزاحة بفعل التكنولوجيا.
وفي المقابل، هناك شك عميق في أن مئات مليارات الدولارات التي أنفقت على الذكاء الاصطناعي ستدر عوائد كبيرة في أي وقت قريب.
وفي ما يتضح أنه ربع قوي لنمو أرباح الشركات، أظهر تحليل أن الإشارات إلى اضطرابات الذكاء الاصطناعي تضاعفت تقريباً مقارنة بالربع السابق، وعلى رغم أن التكنولوجيا لم تحدث حتى الآن خفضاً ملحوظاً في تقديرات الأرباح، فإن المستثمرين لا ينتظرون، بل يبيعون أية شركة ينظر إليها على أنها معرضة للخطر.
إلى أي مدى قد تمتد التقلبات في المدى القريب؟
ويرى مايكل ويلسون من “مورغان ستانلي” أن الأسواق قد تواجه مزيداً من التقلبات على المدى القريب بسبب المخاوف من اضطرابات الذكاء الاصطناعي والإنفاق الرأسمالي، فضلاً عن “ضعف العوامل الموسمية وازدحام رهانات الزخم”.
وقال كريس لاركن من “أي تريد” التابعة لـ”مورغان ستانلي”، “لا تزال السوق قريبة من أعلى مستوياته القياسية، لكن قد لا يشعر بعض المستثمرين بذلك بسبب موجات البيع الحادة التي تبدو وكأنها تعرقل موجات الصعود بمجرد أن تبدأ”، مضيفاً أن “استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى مسار متقلب للسوق، حتى إن ظل الاتجاه العام صعودياً”.
وسيترقب المتداولون هذا الأسبوع أيضاً البيانات الاقتصادية ومحضر اجتماع مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) ليناير (كانون الثاني) الماضي، بحثاً عن مؤشرات إلى توقيت خفض أسعار الفائدة.
هل يقترب “الفيدرالي” من خفض الفائدة؟
وقال محافظ “الفيدرالي” مايكل بار إن أسعار الفائدة ينبغي أن تظل مستقرة حتى يرى المسؤولون مزيداً من الأدلة على أن التضخم يتجه نحو هدف البنك المركزي البالغ اثنين في المئة.
وفي سياق منفصل، صرح رئيس “الفيدرالي” في شيكاغو أوستان غولسبي بأن هناك احتمالاً لمزيد من خفض الفائدة هذا العام، إذا واصل التضخم التراجع نحو الهدف.
وحام مؤشر “ستاندرد أند بورز 500” قرب مستوى 6860 نقطة، واستقر عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات عند 4.06 في المئة، وتراجع سعر “بيتكوين” إلى نحو 68 ألف دولار وتذبذب الدولار، كذلك هبط الجنيه الاسترليني بعد بيانات أظهرت أن البطالة في المملكة المتحدة بلغت أعلى مستوى لها في خمسة أعوام، مما دفع المتداولين إلى تعزيز رهاناتهم على خفض الفائدة.
كيف تفاعلت السلع والأسواق العالمية؟
وتراجع النفط وسط مؤشرات على إحراز تقدم في المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، وهبط الذهب دون 4900 دولار للأوقية، في وقت أغلقت فيه معظم الأسواق في آسيا، أكبر منطقة استهلاك، لمناسبة رأس السنة القمرية الجديدة، كذلك تراجعت الفضة.
ويرى المحلل الاستراتيجي المخضرم في “وول ستريت” لويس نافيلير أنه من المرجح أن ننظر إلى التقلبات الحالية مستقبلاً على أنها فرصة للشراء، وإن كان من الصعب تقدير موعد انتهائها.
وقال سامير سمانا من “ويلز فارغو”، “نحتاج إلى استقرار قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وكذلك الشركات السبع الكبار (شركات التكنولوجيا الكبرى)، ونحتاج إلى رؤية سلوك أقل من نوعية بِع أولاً واسأل لاحقاً من جانب المستثمرين”.
هل دخلت السوق مرحلة فرز الرابحين والخاسرين؟
ويقول محللون إن سردية الذكاء الاصطناعي تتطور من أنه قوة شاملة تدفع المؤشرات الرئيسة للأسهم إلى الارتفاع، إلى مرحلة تصبح فيها “الانتقائية” بين الرابحين والخاسرين عاملاً حاسماً بصورة متزايدة في تحديد أداء المحافظ الاستثمارية هذا العام، وفقاً لأنطوني ساغليمبين من “أميريبرايز”.
وقال “نعتقد بأن المرحلة التالية من دورة الذكاء الاصطناعي قد تتشكل من خلال تفاعل المستثمرين مع اتجاهات شركات التكنولوجيا الكبرى، وكذلك من خلال كيفية تعامل مجموعة أوسع من الشركات والقطاعات مع بيئة ينتشر فيها الاضطراب والابتكار التكنولوجي بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً”.




